مجازر الثامن ماي و الطريق إلى الإستقلال المنشود

(08) ماي 45 … والطريق إلى الاستقلال المنشود

 

تمر علينا هذه الأيام ذكرى أليمة من ذكريات جرائم الاستعمار الفرنسي ي حق هذا الشعب الأبي . إنها ذكرى مجازر الثامن ماي 1945 التي راح ضحيتها خمس وأربعون ألف (45) شهيد من خيرة شباب هذه الأمة ورجالها ونسائها . خمس وأربعون ألفا يعجز اللسان عن عدهم دفعوا أرواحهم الغالية ثمنا للحرية والكرامة , ودفاعا عن حق هذا الشعب في الوجود والتميز عن فرنسا وعربونا للاستقلال والتحرر من الهيمنة المباشرة للأجنبي على أصحاب الأرض والديار .

وفعلا ما هي إلا بضع سنوات من هذه المجزرة الرهيبة ومن تلك الداء الطاهرة المسالة حتى أجمع المخلصون كلمتهم ووحدوا صفهم وجمعوا شملهم وتوكلوا على ربهم وأعلنوها ثورة في وجه الباغي المعتدي , لا تبقي ولا تذر من أمر الاستعمار شيئا إلا أتت عليه . واضعين نصب أعينهم واحدا من هدفين أساسيين : إما النصر والغلبة والفوز وإخراج المستعمر من الباب الذي منه دخل . وإما الشهادة ونيل رضوان الله والالتحاق بركب الشرفاء الذين سبقوا . وذلك بعد ما أيقنوا أن هذا المستعمر لا عهد له ولا ميثاق ولا كلمة له ولا شرف , ولا ينفع معه تظاهر سلمي ولا سياسة , ولا قانون “خذ وطالب “. وإنما اللغة الوحيدة التي يفهمها هي لغة القوة والبندقية , والصوت الوحيد الذي يسمعه هو صوت لعلعة الرصاص , والقانون الذي يحتكم إليه هو الذي يقول: إنما الحقوق تؤخذ غلابا . وإن الحديد بالحديد يفلح .

وشاء الله بعد سبع سنوات من الدماء الطاهرة والدموع الحارة , ارتقى خلالها مليون ونصف مليون شهيد ناهيك عن الأسرى والجرحى والأرامل واليتامى والمعطوبين والمهجرين . شاء الله تعالى أن يتحقق المراد ويحصل المأمول ويرتاح الشهداء وتقر أعينهم بإخراج المستعمر الفرنسي من نفس الباب الذي دخل منه , يجر وراءه أذيال الخيبة والهزيمة والعار . بعد ما ظن أن الأمور قد دانت له وأن الأجيال قد تعودت عليه ورضيت بالأمر الواقع , متناسيا القانون المتفق عليه , ” ما بني على باطل فهو باطل , وما ضاع حق وراءه طالب .

وبخروجه من هذه الأرض الطاهرة المسقية بدماء الشهداء تطوى صفحة الاستعمار المباشر لتبدأ صفحة أخرى – لا أقول صفحة الحرية والعزة والكرامة والاستقلال – وإنما صفحة الاستعمار الخفي والصراع غير المباشر الذي نعتقد أنه لن ينتهي وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وفعلا ما هي إلا سنوات قليلة من خروج الاستعمار المباشر من كل البلدان التي احتلها بالقوة والجبر والإكراه . حتى اكتشف الناس الخدعة الكبرى التي وقعوا فيها من جديد , وهي أن الاستعمار   قد خرج فعلا من الباب الذي منه دخل , خرج بجنوده وعساكره وأسلحته , ولكنه عاد من النافذة بلا زي عسكري ولا قعقعة سلاح . ودون أن يحدث ضجيجا دخل ولم يلفت الانتباه إليه .

عاد هذه المرة لا ليحكم بنفسه وأشخاصه الغرباء عن البلد , ولكن من خلال أوليائه وأحبائه ومريديه والمسبحين بحمده اللاهجين بذكره من أبناء البلاد نفسها . الذين رباهم بيديه وصنعهم على عينه . الذين يتحكمون في المال والاقتصاد والسياسة والحكم والإدارة والتعليم . الذين يريدون من هذا الوطن أن يكون تابعا لمستعمر الأمس في كل صغيرة وكبيرة ويعملون من أجل ذلك وفق خطة محكمة ومدروسة . إن شعروا بها فهي مصيبة وإن لم يشعروا بها فالمصيبة أعظم .

وكل محاولة للانعتاق الحقيقي والتحرر التام والتميز الإيجابي والاستغناء عن مستعمر الأمس والاعتماد على النفس والذات , والعودة بالأمة إلى تاريخها وجذورها وأصالتها تجهض في المهد قبل أن يشتد عودها ويضيق على أصحابها في أموالهم وأولادهم  .مما يدل دلالة قاطعة على أن الاستقلال الحقيقي التام والمنشود لا يزال بيننا وبينه أشواط وأشواط وجولات وجولات . تكون الغلبة في النهاية لمن نفسه طويل وتاريخه عريق وجذوره عميقة . { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ{4} بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ{5}الروم5

فيا أيها الإخوة الكرام / علينا أن نوطن أنفسنا على هذه الحقيقة ونعمل جاهدين من أجل أن نكون أنصارا لله وللحق والخير , والحذر كل الحذر حتى لا نكون أعوانا للباطل وجنودا للاستعمار .

ونختم بما قاله الشيخ البشير الإبراهيمي عن الاستعمار في أول خطبة له بعد الاستقلال من على منبر جامع كتشاوة : إن الاستعمار كالشيطان الذي قال فيه نبينا “صلى الله عليه وسلم”: ( إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه , ولكنه رضي أن يطاع فيما دون ذلك ) , فهو قد خرج من أرضكم ولكنه لم يخرج من مصالح أرضكم , ولم يخرج من ألسنتكم , ولم يخرج من قلوب بعضكم , فلا تعاملوه إلا فيما اضطررتم إليه , وما أبيح للضرورة يقدر بقدرها .

بقلم / المحب أبو طارق

في : 09/05/2014

اترك تعليقًا