رغم الاستبداد… فبلادي عزيزة وأهلي أعزّاء…بقلم الأستاذ محمد ارزقي فراد

بمناسبة حلول الذكر (55) للاستقلال، يسعدني أن أترحّم على أرواح الشهداء، وأن أحيّي الشعب الجزائري، راجيا له مزيدا من الرّقي والسّعادة، في ظل الحرية والعدل. والجدير بالذراد- كر أن الاستفتاء حول تقرير المصير قد جرى يوم أول جويلية، 1962م وأعلنت النتائج يوم 3 جويلية. لكن تمّ اختيار يوم 5جويلية لترسيم “عيد الاستقلال” بهدف محو ذكرى توقيع وثيقة استسلام حاكم الجزائر(الداي حسين) أمام الفرنسيين يوم 5 جويلية 1830م.
ألقيت نظرة من نافذة منزلي إلى الشارع، قبل الشروع في كتابة هذه الكلمة، فراعني خلوّ العمارات والمحلاّت من الأعلام الوطنية. تساءلت مع نفسي لماذا خفت الاحتفال الشعبي بعيد الاستقلال(5 جويلية) إلى هذا الحدّ المقلق؟ لا شك أن هناك خللا في حياتنا العامة والخاصة، إذ لا يعقل أن نتمتّع بخيرات الاستقلال دون تمجيد صُنّاعه، وخاصة في هذه المناسبة التي تعظم في عيون الأخيار.
صحيح أن منجزات الاستقلال قد ملأت نصف الكأس فقط، وكان من الممكن ملؤها بالتمام، لو لم يُصادَر الاستقلال من طرف شبّان مسلّحين استعملوا القوة للوصول إلى سدة الحكم، وقد جنّدهم القادة السّياسيون منذ ظهور المنظمة الخاصة سنة 1947م، لخدمة طموح الشعب الجزائري في استرجاع السيادة الوطنية أوّلا، ثم في إعادة بناء دولته من جديد. لقد أحدث انقلاب المرؤوس(العسكري) على الرئيس(السياسي) سنة 1962م جرحا غائرا في قلوب الأخيار، وكان محمد بوضياف(أوّل منسق للأفلان التاريخي) سبّاقا إلى دقّ ناقوس خطر الانحراف السياسي في كتابه الموسوم: ” إلى أين مسار الجزائر؟”. نعم لقد كانت صدمة الانقلاب على الشرعية الثورية المتمثلة في “الحكومة المؤقتة للثورة الجزائرية” بقيادة بن يوسف بن خدة، أشدّ وقعا من الصاعقة! فهذا المجاهد لخضر بورقعة اعتبر اغتصاب السلطة بالقوّة، هو “اغتيال للثورة”. أمّا السياسي المحنّك فرحات عباس فقد اختار عنوانا معبّرا لمذكراته وهو:” الاستقلال المصادر”. وسار المناضل عمر بوداود في تحليله للأزمة 1962م في مسار هؤلاء، وغيرهم من الأخيار كثيرون.
وعلينا أن نتساءل بموضوعية: أليس الصراع الدموي المؤلم، الذي انفجر بين الإخوة الأعداء غداة الاستقلال، هو نتيجة منطقية لرفض مبدأ “أولوية السياسي على العسكري” الوارد في قرارات مؤتمر الصومام؟ ثم ألا يعتبر إبعاد مصالي الحاج قائد الحركة الوطنية الاستقلالية عن قيادة الثورة، بمثابة بداية الانقلاب العسكري على السياسي؟ هل يمكن اعتبار تقليص “الدور السياسي” للمخابرات –حاليا- من طرف رئيس الدولة خطوة في الاتجاه الصحيح، تعيد الاعتبار “للسياسيين” في تسيير الشؤون العامة، أم أن ذلك هو مجرد استجابة مشوّهة لمبدأ ديمقراطي أساسيّ؟ لا شك أن الإجابة عن هذه الإشكالية تقتضي إجراء أبحاث أكاديمية من طرف المتخصّصين في مجال التاريخ والعلوم السّياسية بصفة خاصة.
ولكن مهلا… هل توفّر المنظومة الجامعية الحالية هامشا كافيا من الحرية الفكرية التي تمكّن الباحثين من أداء واجبهم العلميّ بأريحية، خاصة وأن قضية الباحثة السيدة سيدهم ليلى أستاذة مساعدة بكلية العلوم السياسية، (المتمثلة في اعتداء إدارة الجامعة على البحث العلمي) تلقي بظلالها على الاحتفال بعيد الاستقلال؟
مهما كان الأمر فإن الحكمة تقتضي تجاوز “كارثة” مطلع الاستقلال والتطلع إلى غد أفضل، شريطة الاستفادة من انتصاراتنا وانكساراتنا المسجلة على امتداد 55 سنة من استرجاع الاستقلال. ويجب أن يتذكر حكامنا الذين يسيرون عكس اتجاه قيم نوفمبر في بناء الدولة، أن عيون الشهداء تبصرنا جميعا، وأن التاريخ لا يرحم، ولا يسجل إلاّ جلائل الأعمال المرتبطة بالصالح العام، فلو دامت لغيركم ما وصلت إليكم. أو كما قال الأديب محمد الماغوط: “<< إن الطغاة كالأرقام القياسية، لابد أن تتحطم في يوم من الأيّام.>> ما أكثر العبر! وما أقلّ الاعتبار!

اترك تعليقا