انحدار مستوى التعليم …بقلم د.هشام غرايبية

ربما لا يختلف اثنان على تدهور مستوى التعليم في كافة أقطار الأمة، في الوقت الذي يرتقى ذلك ويتطور في العالم، نتيجة للتطور الهائل في التقنيات ووسائل التعليم وأسلوب التلقي.
إنه لأمر يدعو للمراجعة والتفكير: كيف يحدث ذلك في الوقت الذي لا ينقص عالمنا العربي الثروة والأدوات والإنسان المتعلم!.
المشكلة أن المتخصصين التربويين مختلفون في تعليل هذه الظاهرة المحيرة، انقسموا فريقين بحسب منهجهم الفكري: الأول ماخوذون بانجازات الغرب لذا هم يعتقدون أن الإلتحاق به سيحقق التقدم ويعتبرون سبب تأخرنا ارتباطنا بتاريخنا الحضاري، والثاني يرى العكس وأن لنا خصوصيتنا المستمدة من ذلك التراث وأن البناء عليه سيحقق التقدم.
الفريق الأول متوافق من منهج النظام السياسي العربي، فطوال القرن الماضي كان مستفردا بزمام القرار التربوي فصاغوا فلسفة التعليم بهدف قطع الصلة مع الماضي (المتخلف)وفق منهجهم..وهاكم ما وصلنا إليه نتيجة لذلك .. التدحرج من أسفل الى أسفل حتى بتنا في القاع!.
المشكلة أن هؤلاء لم يكتفوا بما أوصلونا إليه، بل يطالبون بالمزيد، وبمنع الفريق الثاني من التدخل في المناهج المدرسية، ويبحثون عن أية بقايا مما تسرب من أفكارهم في غفلة من حراس العلمانية الأشداء ليمحوها.
لإثبات أن رؤية هؤلاء من مدّعي التنوير والحداثة خاطئة، سأورد بإيجاز التجربة التربوية اليابانية، فهم مثلنا هُزموا ووقعوا تحت الإستعمار الغربي، لكنهم تمكنوا من استعادة مكانتهم في العالم، وهم الآن ينافسون اقتصاديا من استعمرهم عسكريا، على الرغم أنهم نهضوا من تحت رماد هيروشيما، وبلادهم فقيرة بالموارد الطبيعية.
كل المحللين يعزون الفضل في ذلك الى النظام التعليمي المرتكز على قيمهم الموروثة وليس على القيم الغربية، يقول “د. تقيه حسان” في كتابه”أسرار نجاح التجربة اليابانية”:
يكمن سر نجاح اليابنيين في:
1 – أنهم لم يستجيبوا لضغوط المستعمرالأمريكي، بالإنفصال عن التاريخ باعتباره سبب هزيمتهم، بل انطلقت عقيدتهم التربوية من تراثهم الحضاري العريق.
2 – ارتكزوا على موروثهم الديني في ضبط أخلاقهم، حيث تقول العقيدة البوذية أن الروح لن تعرف الراحة إلا إذا تطهر الإنسان من الشرور الخمس: الجشع ،والطمع، والتـسلط، والحـسد، والشـهوانـية.
3 – تمجيد قيمتي العمل والإنتاج، فهو يعتبر النوم أو الراحة شيء معيب ولا يطلب إجازة إلا مرضية قاهرة.
4 – نقلوا التقنية الغربية وحذقوها وطوروها بحيث تصبح وعاء حاويا ورافعة مؤقتة للثقافة اليابانية، ولما ارتقت استغنوا عن الحاوية.
ليس اليابانيون وحدهم من استغلوا حضارتهم ومجدهم السالف في الإرتقاء ومغادرة حالة الضعة والإستخذاء، كثيرون غيرهم مثل الألمان والهنود وأمم جنوب شرق آسيا.
إذن ليس صحيحا أن العقيدة الإسلامية هي ما يعيقنا، فها نحن انقدنا لمن يرفضونها مائة عام فأين أمسينا؟
إن فلسفة التربية المنطلقة من المعتقد والدين يمكن أن يربي جيلا منضبطا ملتزما مؤمنا بالمثل العليا، ويقدس الثوابت الأخلاقية التي تدعو إليها هذه العقيدة.
إذا كانت العقيدة البوذية، وهي مجرد فلسفات تهويمية لكنها منطلقة من أسس أخلاقية، قد أخرجت كل تلك المعجزات من الشعب الياباني، فكيف تفعل إذاً عقيدة إلهية متكاملة أخلاقيا، وذات أبعاد إنسانية اجتماعية اقتصادية!؟

اترك تعليقا